النهار
النهار Search results for "النهار" | Lebanon News!
1
قبل ان تكون دولة الخلافة الداعشية ظرفية، "داعش" ظاهرة مستمرة، وهي نتاج بيئة حاضنة في ابعادها الفكرية والدينية والسياسية، ملأت فراغاً أحدثه سقوط السلطة الحاكمة. دولة أبو بكر البغدادي لم تدم طويلاً، إلّا أن أثرها باقٍ وضحاياها كثر، وقد تظهر بشكل أو بآخر حيث أمكن، ما دامت الخلفية والعوامل التي أوجدتها قائمة. أما الحالة المعولمة والمنتشرة في السر والعلن التي يمثلها "داعش" وأمثاله فباقية في وجدان المناصرين وداعمي التطرف الديني، اينما حلّوا، على أرض دولة، او على متن طائرة، أو في أحياء بار
Read More
يس وبروكسيل، مروراً بالصومال وليبيا ومالي وسواها من دول وساحات. 
 
"داعش" نشأ وتمدد سريعاً في العراق وسوريا في زمن الحروب وانهيار الدولة وسلطتها. "داعش" العراق جاء بعد حروب دامية وسقوط نظام صدام حسين اثر الغزو الاميركي في 2003، وما تبعه من تبدلات جذرية في النظام السياسي وفي موازين القوى الداخلية وتمدّد نفوذ دول الجوار، ولا سيما منها ايران. "داعش" العراق ليس صنيعة المؤامرة بل نتاج تقاطع مصلحي بين بعض أركان النظام السابق المخلوع وحالة الاعتراض والغضب في الوسط السني التي وظفها "داعش" لمصلحته في ظرف مؤات. أما "داعش" سوريا فجاء بروزه جراء الحروب والفوضى التي شهدتها البلاد في السنوات الاخيرة وادت الى تحولات مفصلية، لم تنته فصولاً الى اليوم. والمفارقة ان مناطق "داعش" في سوريا والعراق تفصلها حدود صنعها الاستعمار، بحسب "داعش" وعقيدة البعث. "داعش" ألغى الحدود، بينما حدود البعث كانت فاصلة بين حزبين وقيادتين. 
 
يعكس "داعش" حالة خَبِرها العالم الاسلامي منذ بروز تنظيم "القاعدة" في التسعينات. وهي حالة لم تصنعها أجهزة المخابرات بل تعاملت معها، مثلما تتعامل مع جهات أخرى، دولاً كانت أم عصابات. سيد قطب وأبو الاعلى المودودي وعبدالله عزام وسواهم من منظري الجهاد السلفي المسلح ليسوا صنيعة المؤامرة. كما ان ربط نشوء الحركات الجهادية المسلحة بالعوامل الاقتصادية فيه تبسيط يجافي الواقع. قادة الصف الاول في "القاعدة" جاؤوا من عائلات ميسورة ومنهم من نال شهادات علمية عالية في بلدانهم، ولم ينجذبوا الى السلفية الجهادية بسبب أوضاعهم المعيشية المتردية. الجيل الاول من الجهاد السلفي المسلح انطلق مع "القاعدة" بقيادة أسامة بن لادن، وارث ثروة مالية ضخمة، وكانت سبقته تنظيمات تكفيرية ناشطة في عدد من الدول، منها مصر وأفغانستان وباكستان. أما الوجهة الجديدة المحتملة لأتباع "القاعدة" و"داعش" فهي أفغانستان بعد خروج القوات الدولية وحيث حركة الطالبان تؤمن البيئة المحلية الحاضنة بالعقيدة والسلاح. 
 
أعلنت "القاعدة" الحرب على "العدو الابعد" والكفار، وفي مقدمهم الولايات المتحدة الاميركية، والنصارى واليهود. ومع اعتداءات 11 أيلول في عقر دار الدولة العظمى باتت "القاعدة" التنظيم القدوة في نظر مريديه ورمزا للارهاب المعولم في نظر الخصوم والضحايا. وجاء العنف الاستعراضي المتلفز والقتل المنظم الذي أتقنه "داعش" ليزيده حضوراً وسطوة. "داعش" استهدف "العدو الاقرب" من المسلمين "الكفار"، وسائر الكفار الثابتين في الوطن والمهجر، الى أي دين أو عقيدة انتموا. آلة القتل الداعشية لا حدود لها ولا صديق ولا حليف. حارب "داعش" الجميع، باسثناء اسرائيل، ولم يميز بين الافراد والشعوب، لا التزاماً لحقوق الانسان بل لحقه المشروع في قتل الناس. 
 
بعد ثلاثة أعوام من دولة "داعش" تحرك العالم عندما تجاوز خطرها حدود المنطقة ونزاعاتها. التقت مصالح الاطراف المحليين والاقليميين والدوليين لاقتلاع "داعش"، ما يطرح تحديات مرحلة ما بعد "داعش" في مناطق غنية بالنفط وعلى تقاطع حدود الدول المعنية، العراق وسوريا وتركيا وايران، وحيث للاكراد حضور فاعل، فضلاً عن الدول الكبرى المنخرطة في النزاع السوري. 
 
الفراغ الذي سيتركه "داعش" بعد الهزيمة لا بد ان يملأه أحد، والطامحون الى ملئه كثر، وخصوصاً في سوريا حيث الاوضاع السياسية والعسكرية أكثر تعقيداً من العراق، لا بسبب قوة "داعش" بل لاسباب مرتبطة بطبيعة النزاع السوري. حصر ارث "داعش" سوريا يخضع لمصالح الدول الكبرى والاقليمية ولحسابات الربح والخسارة في ما يخص النظام السوري. مرحلة ما بعد "داعش" لا مكان للدين فيها ولا مقياس. العراق دولة مفككة تتجاذبها الانقسامات السياسية والمذهبية والعرقية ومصالح الدول. وسوريا في اتون حروب لم تنتهِ، وجغرافيا انقسامات الامر الواقع في رعاية قوى متناحرة لم يجمعها سوى ارهاب "داعش". شريعة الغاب تفرض نفسها، ومن بقي من الأحياء في مناطق النزاع هم ضحايا صراعات الأكثر قوة ونفوذاً في زمن "داعش" أو بعد انحساره. 
1
لولا التبدل في موازين القوى الذي احدثته الثورة الاسلامية في ايران في انطلاقتها المدوية، لما كان مجلس التعاون الخليجي رأى النور في التوقيت والغايات التي أدت الى انشائه في 1981. ولولا الموقف من ايران اليوم، لما كان الشرخ داخل مجلس التعاون الخليجي والازمة المتفاقمة بين قطر والسعودية وبروز محاور تجاوزت منطقة الخليج لتصل الى مصر وتركيا. 
 
بين السعودية وقطر ودول الخليج من المشترك ما ليس قائما بين دول أخرى: في التاريخ والجغرافيا والانظمة السياسية والمجتمع، اضافة الى ما تختزنه ال
Read More
ارض من ثروات وما هو ظاهر فوق سطحها من خيرات. وبين السعودية وقطر صراع أدوار وأحجام انطلق مع وصول جيل جديد الى السلطة في قطر منتصف التسعينات ويتواصل اليوم مع جيل جديد بات مؤثراً في القرار السعودي برعاية الملك ودعمه. فإلى العوامل السياسية والموقف من ايران، صراع نفوذ من جيل الى آخر في مراكز السلطة والقرار. 
 
التوتر في العلاقات بين الرياض والدوحة ليس جديداً، الّا ان للازمة الراهنة تداعيات مقلقة في زمن التحولات الاقليمية والدولية غير المسبوقة. موقف قطر ليس داعماً لايران في المطلق، الا انه ليس داعماً لموقف الرياض من طهران. ولقطر طموحات تتجاوز حدود الدور المتاح في المحيط الخليجي وعلاقات، المعلن منها والمستور، في اتجاهات متناقضة. فبالنسبة الى السعودية، ايران عدو مشترك لدول الخليج، يقابله موقف قطري مغاير وآخر خليجي لا يلتقي بالضرورة مع موقف كل من الرياض والدوحة. 
 
وللنزاع الآن متنفس على غير جبهة مشتعلة في المنطقة، مضافة اليه ادارة أميركية تبحث عن تموضع اقليمي جديد، بعد سلسلة انتكاسات بدأت في العراق مع الرئيس جورج بوش الابن واستمرت مع التوتر الشديد في العلاقات السعودية - الاميركية في عهد الرئيس باراك أوباما. جرعة دعم اعطتها زيارة الرئيس دونالد ترامب للسعودية وموقف أميركي ملتبس من الازمة القطرية - السعودية، اذ لواشنطن علاقات مميزة مع طرفي النزاع. فباستثناء ايران، جميع الاطراف المعنيين بالأزمة الراهنة تربطهم علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة. وعلى أرض قطر، القاعدة الجوية الاميركية الاهم في المنطقة، وبين واشنطن والرياض علاقات استراتيجية لم تنقطع منذ ما يزيد على نصف قرن. وهذا يعني ان التسوية الممكنة ممرّها الالزامي واشنطن. 
 
فمع انتقال محاور النفوذ في النظام الاقليمي العربي من المشرق ومصر الى الخليج، تبدل المشهد الاقليمي وبات الدور السعودي محورياً في غير اتجاه. تتحرك السعودية كدولة كبرى، مؤثّرة في محيطها الاقليمي، وهي كذلك على كل المستويات، ولا رغبة لدى قيادتها في التسويات المعهودة، الا ان الترجمة العملية لهذا النفوذ يصطدم بمعارضة اقليمية، خليجية تمثلها قطر وأخرى أشد وطأة تقودها ايران. وعندما يتقاطع المحوران تصل الاوضاع الى حدّ الصدام والقطيعة الكاملة، مثلما هي الآن. 
 
هذا الواقع هو نتاج التحولات التي شهدتها منطقة الخليج العربي والجوار منذ مطلع الثمانينات، بدءاً بالثورة الايرانية والحرب العراقية- الايرانية، مروراً بالغزو العراقي للكويت وحرب تحرير الكويت، وصولاً الى الغزو الاميركي للعراق في 2003. تحولات غير مسبوقة في فترة زمنية قصيرة اسقطت دور العراق كدولة عازلة (buffer state) بين الرياض وطهران، وبات الصدام مباشراً بين الطرفين، وما لهذا الواقع من تداعيات سياسية مُمَذهبة تجلّت في اماكن مختلفة. ومع دخول مصر في المواجهة الى جانب السعودية وتركيا الى جانب قطر، اكتمل المشهد الاقليمي المأزوم، وفي طياته المواقف المتباينة، من "الاخوان المسلمين" المدعومين من انقرة وهي في قطيعة مع القاهرة، فضلاً عن التنظيمات الاسلامية المتطرفة التي تدعمها قطر، بحسب الرياض. هذا التداخل في المواقف ومحاور النزاع والاتهامات، بمعزل عن طبيعتها ومدى صدقيتها، كافية لاحداث ازمات حادة ليس فقط بين قطر والسعودية بل أيضاً في مجلس التعاون الخليجي المعطل. 
 
لن تصل الازمة الى حدّ المواجهات العسكرية، الا انها تأتي في ظل التوتر الحاد في العلاقات الاميركية - الايرانية لاسباب غير مرتبطة مباشرة بدول الخليج وخلافاتها. واشنطن في مواجهة مع ايران وتتهمها بالارهاب والاشتباك معها على خلفية اتفاق فيينا. والسعودية في مواجهة مع ايران التي وصل نفوذها الى عدد من دول المنطقة وعلى الجبهات العسكرية في اليمن وسوريا والعراق. 
 
"عاصفة حزم"، سياسية هذه المرة، لاستعادة المبادرة ولرسم حدود النفوذ والاحجام. الا انها تهدّد الاستقرار السياسي والاقتصادي للمنطقة ومستقبل مجلس التعاون وعلة وجوده، وهو النموذج المتقدم في المنطقة في علاقات التكامل بين دول ومجتمعات متجانسة. صراع مواقع ونفوذ وقوى متناحرة من أجل الاعتراف بالدور والمكانة، اعتراف تسعى اليه السعودية وقطر، وتركيا وايران وسواهما لا في الخليج فحسب بل على امتداد ساحات الاشتباك الدائر بكل الوسائل المتاحة. 
1
 
قانون الانتخاب الجديد يصلح ان يكون ماركة مسجلة في الهيئة الدولية للابتكارات الانتخابية (في حال وجدت). قانون يجمع بين نسبية منتقصة واكثري مبتور. ولانه نتاج اللحظات الاخيرة لتفادي الازمة، جاء القانون مشوهاً وملتبساً. هذا الخليط غير المتجانس جعل احتساب الاصوات مسألة معقدة، والضحية أصوات المقترعين الموزعة في معادلات حسابية لا تخلو من الاستنسابية، مع مراعاة الخصوصيات المعروفة.  
 
المدخل في احتساب الاصوات يعتمد النسبية بين اللوائح، استناداً الى الحاصل الانتخابي لتأهيل ال
Read More
لوائح وتحديد عدد مقاعدها، قبل الانتقال الى المرحلة التالية، وهي احتساب الاصوات التفضيلية على قاعدة أخرى، فتتراجع وظيفة اللائحة. الاقتراع هو للائحة واحدة دون سواها ولمرشح واحد ضمن اللائحة. أما الاحتساب فهو للائحة ومن ثم للمرشحين لتحديد نسب الفوز في اللوائح وترتيب مواقع المرشحين بحسب الاصوات التفضيلية. هذا يعني ان مرشحاً حائزاً أصواتاً تفضيلية أكثر من مرشح آخر في اللائحة قد يخسر أمام مرشح جمع أصواتاً تفضيلية في لائحة اخرى ومجموع أصواتها أقل من مجموع أصوات اللائحة التي خسر مرشحها. أما كسور اللوائح فقد يعطي الكسر الاعلى المعتمد في القانون مقعداً اضافياً للائحة نالت أصواتاً أقل من عدد اصوات اللوائح الاخرى. كما ان احتساب الاصوات في الاقضية المدمجة، في القانون الجديد وبموجب قانون ۱٩٦٠، يزيد الامور تعقيدا. هذه عينة من الاشكالات التي يتضمنها القانون الجديد، في المادة ٩٩ تحديداً. وفي عملية الفرز، لا بد من الاستنجاد بالكومبيوتر (كما ينص القانون)، ولكل دائرة برمجة خاصة بها. 
 
عملية احتساب الاصوات تتضمن ثلاث مراحل: احتساب الحاصل الانتخابي لتأهيل اللوائح واستبعاد أخرى وتحديد حصة اللائحة من المقاعد، يليها احتساب الكسر الاعلى في اللوائح باستنسابية هي أقرب الى اللوتو منها الى خيارات المقترعين، اذ قد يمنح اللائحة التي نالت العدد الادنى من الاصوات بسبب كسرها الأعلى مقعداً إضافياً. ولاحقاً يأتي احتساب الاصوات التفضيلية للمرشحين في القضاء وترتيبهم من الأعلى الى الأدنى، تمهيداً لاختيار الفائزين، آخذين في الاعتبار التوزيع المذهبي والمناطقي (في الاقضية المدمجة). هذه المراحل المتتالية يتداخل فيها النسبي والاكثري، فهو نسبي مع وقف التنفيذ وأكثري الى حدود قصوى، يضيّق هامش خيارات المقترعين ويزيد التنافس ضمن اللائحة الواحدة، ما قد يؤدي الى تشتت الاصوات، فضلاً عن التشرذم في النتائج، وما لهذا الواقع من تداعيات على فاعلية التمثيل في الدائرة الانتخابية. 
 
فلو اعتُمد قانون فيه شيء من التدرج في الانتقال من الاكثري الى النسبي، كالمختلط مثلاً، لكانت الامور اسهل وأوضح. التحول من نظام اقتراع أكثري تماماً، خبره الناس واعتادوه منذ عقود، الى نسبية ملبننة، يضع الناس أمام خيارات صعبة قد لا تشجع على المشاركة في الانتخابات. أما النتيجة فخليط من التناقضات مع "رشة" لوتو في احتساب الكسور. النسبية تفرز اللوائح ومقاعدها والاكثري يفرز المرشحين بحسب الاصوات التفضيلية، ويسقط اعتبار اللائحة التي حلت مكان اللائحة الحزبية في النسبية المعتمدة. 
 
مساحة التمثيل في القانون الجديد أوسع والتنافس متعدد الاتجاه، ما يصعب تحويل التحالفات السياسية الى تحالفات انتخابية، وخصوصاً بين القوى السياسية المنظمة. القانون يعطي الاحزاب هامش نفوذ أوسع في ما يخص ادارة العملية الانتخابية، إلّا انه يأخذ منها التضامن المطلوب بين مرشحيها من جهة والقاعدة من جهة أخرى، فيتحول الصوت التفضيلي أداة تنافس داخل الاحزاب وخارجها. 
 
النموذج الاقرب الى الحالة اللبنانية، يزعم البعض، هو نظام الاقتراع السويسري، ولكن في الشكل وليس في المضمون. في سويسرا نظام الاقتراع يستند الى ركائز أربع غير متوافرة في القانون الجديد: (۱) التنافس ركيزته الاحزاب؛ (۲) الخيارات غير محصورة بصوت واحد بل مفتوحة بين اللوائح والاحزاب؛ (۳) غياب الاعتبارات الطائفية والمناطقية؛ (٤) المسائل الاساسية الخلافية في سويسرا لا تدخل في حسابات القانون ولا في السياسات الانتخابية، اذ تم بتها واختبارها في النظام الفيديرالي والحياد الكامل منذ عقود. فالانتخابات في ۲٦ كانتون سويسرياً (أو دائرة انتخابية) لا اعتبار فيها الا للمسائل السياسية وتأثير مجموعات الضغط لاسباب مرتبطة بالشأن العام، فلا طائفية ولا مناطق ولا انتماءات، ولا مكان لها في خيارات الناخب السويسري، خلافا للحالة اللبنانية. 
 
الخلفية التي انطلقت منها النسبية في لبنان هدفها عدالة التمثيل، الا ان آلياتها استنسابية وغير متكافئة. انه فعلاً قانون صناعة محلية، وهو غير قابل للتصدير بعدما تم تركيبه باستيراد آليات مجتزأة من قوانين أخرى. التوافق السياسي شيء وتقنيات القانون المرتكز على التداخل الانتقائي بين النسبي والاكثري شيء آخر. الا ان الحاجة أم الاختراع. والمثل الشائع صدق عندنا. 
1

لم يكن منتظرا من الاحتفالية العامرة التي طبعت زيارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب للمملكة العربية السعودية سوى الحصاد الوفير. وكان لا بد من تصحيح العلاقات الاميركية - السعودية بعد الانتكاسة التي أصابتها في عهد الرئيس أوباما. وهي المهمة الاسهل في السياسة الخارجية الاميركية بين القضايا الشائكة، ولا سيما منها أوكرانيا وكوريا الشمالية وسوريا. معاداة ايران لا ترتّب أثماناً باهظة بالمقارنة مع الملفات الاخرى. ولا جهد مطلوباً لاقناع الادارة الاميركية والكونغرس بمسؤولية ايران عن الارهاب الع
Read More
المي، كما جاء في كلام ترامب في السعودية. ولمزيد من التبرير والتوتير، اسرائيل جاهزة للاسناد بكل الوسائل المتاحة. 
 
واشنطن أصابت عصافير عدة بحجر واحد. فبالاضافة الى تحسين العلاقات الاميركية- الخليجية، تستوفي إيران الشروط المطلوبة "كعدو مشترك" لاصحاب الدار والزوار. والقمة مفيدة لتبييض صفحة الرئيس ترامب بعد كلامه التحريضي عن الاسلام. ولعل الدافع الاهم لتعزيز العلاقات الثنائية من منظار الرئيس الاميركي مُنطَلَقه المال والاعمال. عين الرياض على شراكة متينة مع واشنطن، وعين ترامب على الشركات وارباحها ولتأمين فرص عمل للاميركيين، أبرز وعوده الانتخابية. 
 
وللسعودية دوافع وحسابات. لعل القمة الاخيرة هي الاهم منذ لقاء الملك عبد العزيز آل سعود والرئيس الاميركي فرانكلين روزفلت في 1945. في تلك الحقبة، كان النفط محوريا في العلاقات السعودية - الاميركية والحرب العالمية الثانية في نهايتها. أما اليوم فالمسائل مختلفة: النفط استُبدل بالارهاب والاتحاد السوفياتي بايران. والدعم الاميركي مطلوب في حرب اليمن وفي سياق محاور النفوذ في المملكة. والزيارة كانت مناسبة للفصل بين الاسلام والارهاب وللتأكيد ان الاعتدال ممكن بوجه التطرف. 
 
الوعود وصفقات الاسلحة والعقود التجارية (والهدايا) بالمليارات تطمئِن وترفع منسوب الثقة بين الطرفين، الا انها ليست بديلاً من موازين القوى السياسية والعسكرية الاقليمية. فلكل ازمة في المنطقة أسبابها وأهدافها وأطرافها المؤثرون. التمدد الايراني حصل، ولم تخفِ ايران طموحاتها منذ عقود، واستفادت من ظروف مؤاتية ومن عثرات الغير منذ حرب العراق في 2003 الى اليوم. 
 
العنوان الابرز في القمم المتتالية التصدي للارهاب. والمقصود بالارهاب ايران، بينما الارهاب المعولم يقوده "داعش" وتنظيمات أخرى، أبرزها "جبهة النصرة" التي بدّلت اسمها لضرورات المرحلة. الا ان تحاليل DNA لا تخطئ، وهي تكشف مصادر الارهاب المحترف، من الجيل الاول في هجمات 11 ايلول الى الجيل الثاني في الاعتداء الاخير في مانشستر. أما الانتقائية في تعريف الارهاب لأغراض سياسية فلا حدود لها: من منظمة التحرير الفلسطينية "الارهابية" الى حين توقيع اتفاق أوسلو، الى "حماس" و"حزب الله" راهناً، وصولاً الى توصيف الدول بالارهاب، وهذه مسألة أُخرى. 
 
في المقلب الآخر، تل ابيب قلقة من التسرّع الاميركي، لجهة السلاح ونوعيته، ولن تستكين قبل حمل الكونغرس على وضع القيود اللازمة للحفاظ على التفوق النوعي الاسرائيلي. التنسيق الاميركي- السعودي في المجالات العسكرية والامنية والضغوط على ايران شيء واتفاق فيينا النووي شيء آخر، وسقف واشنطن حدوده التشدد في تنفيذ الاتفاق وليس إلغاءه. 
 
ولكي تكون فاعلة، حملات التصدي للارهاب تستند الى عاملي الثقة والصدقية. ففي حين ان الثقة يمكن تطويرها، فإن الصدق في الالتزام أصعب، وخصوصاً عندما تسود البراغماتية وحسابات الربح والخسارة في ميزان العلاقات بين الدول، ومع رئيس أميركي يتعرض لتحديات ضاغطة لا من المعارضة فحسب بل في الادارة والمؤسسات المرتبطة بها. فلا شرق أوسط جديداً اليوم ولا مشاريع لنشر الديموقراطية. المطلوب القضاء على الارهاب على قاعدة ان ايران مصدره. الا ان "الحقل" في مكان و"البيدر" في مكان آخر. فاذا استثنينا "محور الشر" الايراني الجامع بين أميركا وبعض دول الخليج، فان الارهاب الذي تعانيه مصر، من سيناء الى القتل في الكنائس، يختلف عن الارهاب في ليبيا وتونس والعراق. وفي تركيا يتمثل الارهاب بالاكراد وفي اسرائيل بالفلسطينيين. ولروسيا ارهابيوها، كما للدول الاوروبية وسواها. 
 
أَصابت البيانات الرسمية في تأكيدها ان محاربة الارهاب لا تتم فقط بالوسائل العسكرية. فالتصدي المجدي يبدأ بـ"تجفيف منابع" الارهاب الفكرية. وهذا يعني عمليا ان الجانب الاميركي لا يقدم ولا يؤخر لان الارهاب الضارب اليوم يرتبط بالتطرف في تفسير النصوص الدينية لتبرير العنف التكفيري. وفي هذا المجال، ترامب لا معرفة لديه ولا صبر ولا اهتمام. 
 
ارهابيو العالم في السنوات الأخيرة جاؤوا من أماكن معروفة ومن بيئات لا تمت بصلة الى أميركا أو الى حلف شمال الاطلسي، المتخصص في الدفاع والامن لا في الشؤون الدينية. هذا تحدّ يخص الدول العربية والاسلامية التي اجتمعت في الرياض. فاذا وضعنا جانبا الشعارات ومظاهر الاحتفالية، يتبيّن ان المشترَك بين أميركا والسعودية وضيوفها الكثر في معركة التصدي للارهاب لا يتطلب دعماً أميركياً ولا أحلافاً عسكرية بقدر ما يتطلب ارادة وتصميماً لاستئصال الارهاب الفعلي لا الارهاب الملائم في سياق تموضعات سياسية مريحة وان لم تكن دائما مربحة.
1

 
محركات البحث عن قانون الانتخاب العتيد متعثرة. فمع استنفاد الصيغ المطروحة، وبعد مشاورات مكثفة كشف فيها الاطراف السياسيون أوراقهم، الظاهر منها والمستور، ضاقت هوامش وتوسعت أخرى، والقانون في حال مراوحة الى حين. ومع كل حين يزداد الحنين الى قوانين خبرها اللبنانيون واعتادوها. 
 
في المقابل، تم التعامل مع نظام الاقتراع النسبي بصفتين: صفة gadget، اي "بدعة" جديدة تحاكي العصرنة، وصفة أخرى أكثر دلالة تحولت فيها النسبية الى شعار، فتم تظهيرها وكأنها الدواء الشافي لامراض الدولة والمجتمع
Read More
، ومن لا يسلك هذا الطريق بشروط مريديه يهلك. ففي حين ان النسبية أكثر عدالة في التمثيل من النظام الاكثري، الا انها لا تضع حداً للمال الانتخابي أو للهدر والفساد، ولا تبدّل قناعات الناس وانتماءاتها. النسبية ليست اختراعاً لبنانياً بل وسيلة اقتراع معتمدة في دول ومجتمعات لها أنظمتها السياسية وبيئاتها المجتمعية. وبمعزل عن توصيفاته الملبننة، نظام الاقتراع النسبي يرتبط بالدوائر الانتخابية والصوت التفضيلي والعتبة وبطريقة احتساب كسور الاصوات في نسب اللوائح المتنافسة. أي انه آلية متكاملة تستند الى تفاصيل ولكل تفصيل منها تفضيل. 
 
كما ان قانون الانتخاب ليس وصفة لالغاء الطائفية السياسية، بل قد يزيدها حدّة اذا شعرت "المكونات" انها مستهدفة. أما الهواجس فجاء التعامل معها استنسابيا. هواجس مشروعة لا بد من مراعاتها وأخرى تُلصق بها التهم وتوسم بالطائفية، مثلما هي حال التحالفات السياسية: تحالفات مشروعة لاهداف سامية، وأخرى تصوّر وكأنها مشاريع حروب مؤجلة. 
 
المسألة اليوم تتجاوز تقنيات نظام الاقتراع لتشمل المعادلة السياسية القائمة ومواقع أطرافها. تموضعات جديدة اطلقتها الانتخابات الرئاسية، والمعارك السياسية لم تنته فصولاً. ولا بد من الاشارة الى ان صانعي قانون الانتخاب هم القوى السياسية في البلاد وليس خبراء مستوردون. يصحّ الكلام عن الخبراء في دول انتقلت حديثاً الى الديموقراطية والتنافس السياسي، أي تلك التي يحكمها الحزب الواحد أو القائد المعصوم، مثلما كان حال عراق صدام حسين أو دول أوروبا الشرقية في مرحلة الحرب الباردة. 
 
أما في لبنان فالتجارب الانتخابية تعود جذورها الى المتصرفية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. انتخابات 1943 انتجت الاستقلال. وانتخابات مرحلة ما بعد الاستقلال شهدت نماذج عدة من تدخل السلطة وحيادها. بإيجاز، انتخابات الستينات كانت أكثر تمثيلاً ونزاهة من انتخابات الخمسينات. وانتخابات 1972، الاخيرة قبل اندلاع الحرب، كانت الأفضل من حيث حياد السلطة وأدت الى انتخاب أكثر من ثلث اعضاء المجلس للمرة الاولى، والبعض منهم من خارج الإصطفاف السياسي التقليدي. وفي الانتخابات الفرعية في 1974 فاز المرشح المدعوم من الامام موسى الصدر على منافسيه المدعومين من قوى سياسية نافذة. أما قانون الانتخاب فكان اداة تأثير لغايات سياسية وخصوصاً في عهد الرئيسين بشارة الخوري وكميل شمعون وثَبُت في عهود الرؤساء شهاب وحلو وفرنجيه في أربع دورات انتخابية. التلاعب المفضوح جاء في قوانين انتخاب مرحلة ما بعد الحرب، وكانت الانطلاقة بتعيين سلطة الوصاية أكثر من ثلث أعضاء مجلس النواب في 1991 قبل بضعة أشهر من انتخابات 1992. وأما قانون 2008 فجاء في اطار تسوية لأزمة عصفت بالبلاد وشارك في احتوائها بعض الدول الاقليمية. 
 
اكتمل المشهد السياسي اليوم بكل مكوناته، فلا اقصاء ولا تغييب ولا استهداف، واطراف الخارج المؤثرون عادة في الشأن اللبناني لديهم ما يكفي من حروب وأزمات. المرة الاخيرة التي اعتمد فيها اللبنانيون قانون انتخاب بقواهم الذاتية في 1960. وهذا القانون أخذ في الاعتبار توازنات تلك المرحلة في سياق احتواء تداعيات أزمة 1958، ومن اسبابها انتخابات 1957. 
 
الخريطة السياسية الراهنة تبدلت عما كانت في مراحل سابقة. قوى سياسية جديدة برزت في معظم الطوائف - المكونات وأخرى تراجعت لأسباب تختلف بين حالة واخرى. النظام السياسي تغير ومعه المسائل الخلافية وأولويات الناس، والمحيط الاقليمي في خضمّ تحولات غير مسبوقة. قوانين الانتخاب لا بد ان تتغير لتعكس التحولات التي طرأت على مستوى الدولة والمجتمع. ثمة من يسعى الى تصحيح الخلل بوسيلة قانون الانتخاب وثمة من يريد ابقائه. الا ان ركائز قوانين الماضي لا تزال "حية ترزق". وظائف قانون الستين المعدل في 2008 انتهت، باستثناء وظيفة واحدة، قد تشكل مخرجاً ممكنا ًلأزمة لن يسلم من ضررها أحد في مؤسسات الدولة وخارجها، فتضيع الانتخابات بأكثرية ناخبيها وتعلو "الاصوات التفضيلية" من أجل استغاثة لن تأتي. قانون الأمر الواقع منبوذ، إلّا انه صامد وعنيد وقد يلامس المفيد ما دامت البدائل حدها الأدنى سيئ والأعلى أسوأ. 
1

مسائل النفوذ والسلطة في المحور المثلث الاطراف، اميركا والسعودية وايران، في دائرة التجارب والاختبار، حيث تتداخل المصالح وتتناقض الغايات. في هذا المحور، وجدت ادارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب ضالتها في الاتجاهين: في حملة التصدي لايران ما بعد اتفاق فيينا وفي تعزيز العلاقات مع السعودية ودول الخليج. السعودية ايضا وجدت ضالتها في ادارة اميركية مهيأة سياسيا لصدام، مكتمل الذرائع، مع طهران. وايران بدورها وجدت ضالتها في الاتجاه المعاكس، فهي ملتزمة تنفيذ اتفاق فيينا والسير بخطوات ثابتة في
Read More
اتجاه المصالحة مع المجتمع الدولي، ولاسيما منه الدول الكبرى. اما اسرائيل فهي الطرف غير المعلن في المحور المفترض. اسرائيل وايران في عداء معلن منذ عقود، واسرائيل تعوّل على واشنطن لمواجهة ايران وتضرب على الوتر الحساس في ما يخص دول الخليج وأمنها.
 
السلاح النووي ذريعة جاذبة، لكن ما من جهة تستطيع استعمال السلاح النووي وتحمّل تبعاته. حتى كوريا الشمالية، الخارجة عن المعايير المألوفة في العلاقات الدولية منذ انتهاء الحرب الباردة، تناور وتهدّد لكن من غير ان تصل الى حد استعمال السلاح النووي والتسبّب بافتعال ابادة جماعية. استعمال السلاح النووي في سياق حروب مشتعلة بحجم الحرب العالمية الثانية شيء، مثلما فعلت اميركا في اليابان، واللجوء الى النووي لاغراض توسعية في زمن السلم شيء آخر. اسرائيل تمتلك قدرات نووية عسكرية منذ الخمسينات، وخاضت حروبا طاحنة لم يكن للسلاح النووي اي دور فيها.
 
صراع نفوذ بالادوات السياسية والعسكرية التقليدية يسود المحاور الساخنة في المنطقة. صراع مزمن بين السعودية وايران لاسباب تاريخية واقليمية وسياسية وبأبعاد دينية. في زمن الشاه، طهران والرياض كانتا في معسكر واحد الى جانب الولايات المتحدة بمواجهة الاتحاد السوفياتي. ايران الشاه تعاملت مع جيرانها العرب كدولة عظمى، والسعودية كانت في صراع نفوذ مع خصومها العرب وفي الدائرة الاسلامية الاوسع.
 
مع الثورة الاسلامية في ايران تبدلت المعادلة الاقليمية، خصوصا بعد الحرب العراقية- الايرانية وتداعياتها. صدام حسين ذهب بعيدا في اجتياح الكويت وتهديد امن دول الجوار واستقرارها، السعودية تحديدا. وبعد حرب تحرير الكويت وبداية تفكك العراق، تلاشى الفاصل الجغرافي والسياسي وحتى الامني بين السعودية وايران وبات الدعم الاميركي حاجة للاستقرار في الخليج العربي. لم تخف طهران سعيها "لتصدير" الثورة الى دول المحيط، ولم تخف الرياض معارضتها، خصوصا مع بروز محاور جديدة تجاوزت خطوط التماس التقليدية لتصل الى السياق المذهبي. وزادت في الطين بلة حركة اسامة بن لادن العائد من افغانستان لمواصلة "الجهاد" داخل السعودية لاسباب غير مرتبطة بالعلاقات المأزومة بين السعودية وايران.
 
الاجتياح الاميركي للعراق قلب موازين القوى رأسا على عقب. ومع استكمال انسحاب الجيش الاميركي في 2011، بعد حروب ضارية، باتت ايران صاحبة النفوذ الاكبر في العراق. وجاءت المصالحة بين ايران والدول الكبرى في السنوات الاخيرة بدعم من الرئيس اوباما لتضع السعودية في موقع صعب بعد عقود من التعاون الوثيق في كل المجالات بين واشنطن والرياض. وجاءت حرب اليمن، في بعض جوانبها، ردا على التقارب الاميركي- الايراني، وسرعان ما تحول اليمن ساحة استنزاف عسكري و"عاصفة حزم" بلا قدرة على الحسم.
 
تُظهر واشنطن اليوم تأييدها للسعودية في النزاع اليمني وجهوزية للدعم العسكري والامني. وهذا بلا شك مصدر اطمئنان للقيادة السعودية، الا انه لا يبدل بالضرورة في الاوضاع المتردية في اليمن او في الواقع الاقليمي المأزوم. وفي المقابل ثمة اعادة تموضع اميركية في سوريا تعززها علاقة ملتبسة بين الرئيسين الاميركي والروسي. وفي الحالات جميعها حقول اختبار متحركة، الاكثر ثباتا بين اطرفها ايران، بينما الادارة الاميركية تتجاذبها الاجنحة والاجندات، مثلما هي حال السعودية، لاسباب غير مرتبطة مباشرة بالمحاور الاقليمية. اما المقايضات بين نزاعات المنطقة فالطريق لاتمامها غير نافذ ويتجاوز قدرات اطرافها الاقليميين. روسيا استرجعت بعض نفوذها عبر الانخراط في النزاع السوري، واميركا تستعيد بعض مواقعها عبر لعبة حافة الهاوية مع طهران.
 
تمدّد نفوذ ايران الاقليمي بدأ في الثمانينات في اي مكان متاح وانتج تحالفا استراتيجيا مع سوريا، بينما السعودية انشغلت بحروب صدام حسين وتراجع الاوضاع العربية وبتقلبات السياسة الاميركية. حقبة جديدة بدأت ملامحها تظهر في محاور هي أشبه بحقول تجارب واختبار، أي بلا نتائج مضمونة، تريح ولا تشفي، تؤجل ولا تحسم، ومع ادارة اميركية تعتمد سياسة Trial and Error، وفي مرمى نارها، عن قصد او عن غير قصد، الحليف كما العدو. ولكل خطوة اميركية دفاتر شروط ومدقق حسابات. وتجارب الماضي القريب ماثلة في الاذهان.
1

في سوريا حروب "غب الطلب"، ساحات قتال تتصارع فيها وعليها عصبيات الماضي والحاضر وربما المستقبل. حروب ساخنة، فاترة وباردة، بين مدّ وجذر، يخوضها عدد كبير من الاطراف حول مسائل تبدأ بالمحلي لتصل الى الدولي، والحدّ الفاصل بينها ضبابي ومتحرك. بين الاطراف المحليين، الحرب ساخنة باستمرار، بينما الاطراف الاقليميون يخوضون حروباً موضعية بأهداف محددة، فضلا عن حرب باردة - فاترة بين الدول الكبرى، روسيا واميركا تحديداً، لا تزال مضبوطة في البر والبحر والجو. وفي المعمعة، صعود وهبوط لمؤشر الميدان و
Read More
تقلبات التحالفات والاوزان. 
 
في الآونة الاخيرة كان دخول الولايات المتحدة برئاسة دونالد ترامب ساحة المعركة صاروخياً. وعلى رغم الصخب الذي رافق الضربة العسكرية الاميركية، يغلب عليها طابع توجيه الرسائل باتجاه الادارة الاميركية السابقة المترددة وباتجاهات أخرى في سوريا وخارجها، وليس التمهيد لمواجهات عسكرية واسعة. فبعد كلام الرئيس الاميركي عن تبدل الاولويات في الموقف من الرئيس السوري، جاءت الغارة الصاروخية لتستهدف النظام وسياسة داعميه ولتؤكد ان الموقف من النظام تغيّر في الشكل وليس في المضمون. التوافق الاسهل يتمثل بضرب الارهاب، أما المسائل الاخرى فلها حساباتها وشروطها المعقدة. 
 
في العام السابع من الحروب المشتعلة، لم يبق في الميدان سوى الاكثر قدرة وتصميماً. حروب محدودة تتناتشها المصالح والاهواء. هكذا جذبت الساحة الاطراف الدوليين واستهوت الاطراف الاقليميين، وانخرط الجميع في رهانات اعتُبرت رابحة، أو أقله غير خاسرة. تركيا خرجت من غربتها بعدما كانت صلاتها بسوريا محدودة منذ ضمّ لواء الاسكندرون في زمن الانتداب الفرنسي في 1939. وروسيا استعادت دورها وحجزت موقعاً ثابتاً لها بعد تراجع مرحلي اثر انهيار الاتحاد السوفياتي. وايران سارعت الى توطيد علاقاتها مع النظام لتأكيد الروابط الاستراتيجية بين الطرفين. أميركا تجاوزت الاهتمام المحصور بالسلاح الكيميائي في زمن الرئيس أوباما والذي نزع باشراف دولي ليتبين انه لا يزال موجوداً. بعض دول الخليج العربي انخرطت في عملية تصفية حسابات وذهبت بعيداً في تشددها بعد سنوات من العلاقات الوثيقة مع دمشق. واستفاق العالم على الارهاب الداعشي والتنظيمات التكفيرية وانصارها الوافدين الى "أرض الجهاد" السورية من العالم أجمع. 
 
في المحصلة، سوريا ساحة حروب متداخلة تجمع بين النزاع الداخلي والاقليمي بدوائره المتعددة، والدولي الذي استشعر اطرافه بالخطر الفعلي من الارهاب المعولم. طبقات متصلة ومنفصلة في آن واحد لصراعات تجمع بين خيوطها مصالح متناقضة ومواجهات لا يتحكم بمسارها أي طرف تماماً. فموازين القوى مبعثرة والميدان مفتوح لمن يرغب. النظام اهدافه واضحة، شأنه شأن المعارضة بتياراتها وخلفياتها المتعددة. روسيا، صاحبة الدور العسكري والسياسي الوازن، تتجنّب الغرق في وحول ضاغطة. تركيا وايران تلتقيان على حشر الاطراف وتفترقان في الموقف من النظام. هاجس تركيا في المرحلة الراهنة الاكراد وهاجس ايران اميركا والنظام. واشنطن تمتحن أدوات النفوذ العسكري والسياسي مع رئيس غير متمرّس في الشؤون الدولية وادارة تتجاذبها التناقضات. أما العرب فمنقسمون، وان بدت المواقف اكثر اتزانا وواقعية في القمة العربية الاخيرة في الاردن. 
 
حروب وضحايا بعشرات الآلاف لم تكن كافية لوضع النزاع على سكة الحلول الممكنة. النزاعات المسلحة، عندما تطول ولا تحسم، مثلما هي حال النزاع السوري، تتشتت قضاياها ومعها الطموحات والامكانات. فما من طرف قادر على الحسم. والحسم السياسي والعسكري مكلف وغير واضح المعالم. كما ان الهوة بين الطموحات والامكانات تزداد اتساعاً، والطريق لبلوغها عرضة للمطبات وحافلة بالمفاجآت. 
 
الحلول تتأرجح بين جنيف وأستانة، وهي غير ممكنة بلا واشنطن ومفاتيحها غير متاحة بلا موسكو. وقد يكون الحل المطلوب مفتاحه يالطا في شبه جزيرة القرم. يالطا دخلت التاريخ اثر اجتماع زعماء الدول المنتصرة في الأشهر الاخيرة من الحرب العالمية الثانية. أما يالطا اليوم فهي أرض نزاع بين روسيا واميركا والاتحاد الاوروبي. ولا "يالطا" جديدة في أفق حروب سوريا. فإذا كانت ثمة تسوية ممكنة لنزاعات سوريا المتشابكة، ولا سيما بعد التأهب الاميركي المستجد، فلا بد ان تشمل روسيا، الحاضرة بقوة داخل سوريا ومع حلفائها الاقليميين، واميركا العائدة بعد غياب. وقد يكون الممرّ الالزامي للتسوية فك رموز مفاتيح الترابط بين الازمتين المعلّقتين في سوريا وأوكرانيا، وقد تنتج عنها سلة توافقات لجسر الهوة بين جنيف وأستانة. "يالطا" جديدة على القياس قد تفي بالغرض المطلوب.
1

الاستفتاء الذي حسم المعركة في تركيا لمصلحة الرئيس رجب طيب اردوغان بفارق لا يتجاوز 2 في المئة من الاصوات يضع البلاد ومستقبلها على المحك. فالمسألة تتجاوز تعديل النظام السياسي من برلماني الى رئاسي لتصل الى حد الاستئثار الكامل بالسلطة في مجتمع منقسم لا حول سياسات الرئيس فحسب بل حول شخصه وطموحه الجارف. الانظمة الرئاسية الديمقراطية تخضع لرقابة مجلس النواب ولا تعطي الرئيس تفويضا مطلقا وصلاحيات شاملة في شؤون الحكم، خلافا للحالة التركية. والاستفتاء يكون عادة بهدف تعزيز الديمقراطية، اي ا
Read More
لاحتكام الى الشعب للحدّ من تسلط الحاكم او النظام وليس بغرض الاستئثار بالسطة، مثلما هي غاية الاستفتاء في تركيا. 
فاذا صح القول ان للشبه أربعين، فلا شبه منظور لسياسات اردوغان. فهو لا يسعى فقط الى مزيد من السلطة داخل البلاد بل ايضا خارجها. ليس مستغربا ان يسعي الحاكم الى التحكم بالسلطة وان يهادن الخارج او لا يكترث به. اما في الحالة الاردوغانية فمشروع السلطة لا فصل في حدوده بين الداخل والخارج. 
في الداخل يسعى الرئيس التركي الى شخصنة الحكم والنظام. وخلافا لشعوب الربيع العربي، الشعب في تركيا لا يريد اسقاط النظام بل اسقاط معارضيه. الانقلاب العسكري الفاشل منذ بضعة اشهر سهّل مهمة الرئيس في التخلص من معارضيه، اتراكا واكرادا، علمانيين واسلاميين. اما مع الخارج فالمسألة اكثر تعقيدا. سوريا، قبلة اردوغان منذ اليوم الاول للنزاع الذي ازداد عنفا بسبب دعم انقرة للتنظيمات التكفيرية. وفي اسطنبول استقر بعض اطراف المعارضة السورية، ولاسيما منهم أركان "الاخوان المسلمين"، الاقرب الى اردوغان، سياسة وفكرا. ومع الاتحاد الاوروبي اخذ الصدام مداه، تهديدا وابتزازا بالمال واللاجئين ووصل الى حد اتهام اردوغان المانيا وهولندا بالنازية بعد رفضهما تحويل ساحات مدنهما منابر خطابية دعما لطموحاته. وقع الصدام ايضا مع روسيا، وقبلها مع اسرائيل وعادت العلاقات الى طبيعتها. ولم تسلَم العلاقات بين واشنطن وانقرة من التوتر وانقطعت العلاقات مع مصر التي اتهمت تركيا بدعم المتطرفين الاسلاميين في سيناء، بينما ظلت العلاقات مع ايران منتظمة، وان اعترتها شوائب عابرة.
النموذج الاقرب الى الحالة الاردوغانية خارج حدود البلاد سياسات صدام حسين الذي لم يدّع الديمقراطية ولم يكن بحاجة الى تعديل النظام المعسكر، الا انه حاول التوسع في كل الاتجاهات وفشل. حرب العراق مع ايران في الثمانينات انتهت بمعادلة فرضتها الدول الكبرى وساهمت في اعطاء الثورة الاسلامية مناعة وزخما، واجتياح الكويت نتج منه محاصرة النظام العراقي وتصدّع وحدة البلاد. صدام حسين حصّن الجبهة الداخلية قبل مغامراته الخارجية، بينما اردوغان يحارب على جبهتي الداخل والخارج في آن واحد. 
لعل الثابت في مشروع الرئيس التركي يتجاوز السلطة والتسلّط ليصل الى حدّ تقويض مبرمج لركائز الدولة العلمانية. والغاية غير المعلنة (الى الآن) اسلمة الدولة بعد المجتمع، وان تركت بعض بصمات النظام العلماني اثرها في المولود العتيد. فالمشروع الاسلامي بالنسبة الى حاكم حزب العدالة والتنمية الحاكم قد يشكل جسر عبور الى العالم العربي والاسلامي. وهذا غير ممكن بالضربة القاضية أو بالفرض العسكري. 
لم يحصل ان انتقلت الدولة والمجتمع في بلد ذي اكثرية مسلمة من نظام علماني متكامل الى الحكم الاسلامي. في تونس، حيث للعلمانية جذور وحضور، استعادت البلاد توازنا جديدا، بعد سقوط النظام، بتوافق طرفي المعادلة في السلطة. وفي ايران، نظام الشاه لم يكن اسلاميا بالطبع ولا علمانيا، مثلما هو النظام الذي اقامه مصطفى كمال (اتاتورك)، مؤسس الدولة المعاصرة.
في مطلع القرن العشرين، انطلقت "تركيا الفتاة"، حركة اعتراض باسم القومية التركية بمواجهة السلطان ومهدت الطريق لقيام دولة ما بعد السلطنة بقيادة اتاتورك. "تركيا فتاة" جديدة يطلقها اردوغان جامعا بين عصبيتين، قومية ودينية، ومناقضا بالتالي أسس الدولة التي ارساها اتاتورك وَمَن سبقه في "جمعية الاتحاد والترقي" بعد انقلاب 1908. اليوم يأتي الرئيس اردوغان ليستعيد "الحدود العاطفية" من "القرم الى القوقاز وحلب والموصل"، متصديا لكل من يحاول "تحديد دولتنا وامتنا ب 90 عاما"، على حد قول اردوغان في تشرين الثاني الماضي في ذكرى رحيل اتاتورك. كلام الرئيس هذا جاء قبل الاستفتاء، اي في مرحلة الصلاحيات المحدودة. اما اليوم فالمعادلة مختلفة ومعها الاوهام والاحلام.
مشروع اتاتورك في عشرينات القرن الماضي انشاء كيان دولة بحدود ممكنة، تضع حدا للتراجع بعد هزيمة السلطنة في الحرب العالمية الاولى. اما "تركيا فتاة" اردوغان فتحاول ان تستبدل العلمانية بالاسلمة وسلطان الامبراطورية بسلطان الجمهورية وبطموح امبراطوري لم يعد مستورا.
1

لم يعد لبنان اليوم ساحة لحروب مشابهة لتلك التي اندلعت في 13 نيسان 1975 وتواصلت طيلة خمسة عشر عاما. فالحرب التي بدأت في منتصف السبعينات في ظروفها واطرافها واهدافها لا تشبه الحرب التي انتهت في مطلع التسعينات. وعلى رغم الحروب المشتعلة في الجوار العربي، لم يعد لبنان ساحة لحروب المنطقة. فالاوضاع التي ادت الى حرب 1975 لم تعد قائمة اليوم لاسباب داخلية وخارجية.
في منتصف السبعينات تقاطَعَ الاحتقان الداخلي، المتعدد الاسباب والغايات، مع الحراك الاقليمي في مرحلة ما بعد الحرب العربية-
Read More
الاسرائيلية في 1973. هذه الحرب، التي جمعت مصر وسوريا، جاءت تداعياتها لتضع كِلا الطرفين امام خيارات متضاربة. فك الارتباط العسكري في 1974-75 على الجبهتين المصرية والسورية، توسّع لاحقا الى حدّ فك ارتباط مصر بالنزاع العربي- الاسرائيلي اثر اتفاقية كمب ديفيد. اما الفصائل الفلسطينية، المتمركزة في لبنان بكامل اجهزتها السياسية والعسكرية، فلم يعد لها هامش تحرك بحرية سوى في لبنان الذي اصبح عمليا، بعد حرب 1973، الساحة العسكرية الوحيدة للنزاع العربي- الاسرائيلي.
انقسم اللبنانيون حول مسائل عديدة في تلك المرحلة الصاخبة، مرحلة "ستينات" لبنان، اسوة "بستينات" اوروبا، حيث ساد الاعتراض الشعبي بوجه السلطة. "ربيع" لبنان عشية اندلاع الحرب تلازم مع ارتدادات حرب 1973 والانفلاش الفلسطيني المسلح الذي بدأ مع اتفاق القاهرة في 1969 وتنظم وتوسع في النصف الاول من السبعينات. احزاب يسار رفعت لواء التغيير الثوري واحزاب يمين محاصرة وقوى سياسية متناحرة، اسيرة مواقف وشعارات ولّى زمنها. الفارق كبير بين الخلاف حول السياسة الاجتماعية والاقتصادية في البلاد وحول حرية "العمل الفدائي" وفتح الجبهات العسكرية داخل لبنان وعلى الحدود مع اسرائيل. وفي الحالتين الدولة اللبنانية كانت الطرف الاضعف في المعادلة. في هذه الاجواء اندلعت الحرب واستقوت قوى الامر الواقع المعسكرة على دولة باتت مسلوبة الارادة والقرار. وسرعان ما اصبحت وظيفة لبنان الساحة اقل كلفة لاصحاب الحل والربط من لبنان المستقر بأمن مستعار.
صراع في الداخل بوجهيه السياسي والمطلبي وصراع بين "الدولة والثورة"، وصراع آخر على الحدود الجنوبية بين الفصائل الفلسطينية واسرائيل. وفي المقابل دولة مكّبلة وعاجزة، فلا هي قادرة على تلبية مطالب التغيير، ولا هي موحدة لاتخاذ القرار لوضع حدّ لتجاوزات متمادية، ولا هي قادرة أو راغبة في التصدي لاسرائيل. حالة ارباك وشلل وضياع ادت في نهاية المطاف الى الصدام الحتمي مع عسكرة العمل السياسي. ولم يكن ينقصه سوى صاعق التفجير الذي اتى من عين الرمانة، وكان يمكن ان يأتي من اي مكان آخر، قبل 13 نيسان او بعد هذا التاريخ.
تعطلت مفاتيح الحلول، ولاسيما بعد الصدام بين الجيش السوري والفصائل الفلسطينية. رهانات طموحة وصلت الى حد تبني الحلول العسكرية، خصوصا بعد فشل الحل السوري عبر "الوثيقة الدستورية" في 1976 وبروز محور نزاع جديد بين دمشق والمنظمات الفلسطينية وحلفاء الطرفين من الجهات اللبنانية المتنازعة. وفي كافة مراحل الحرب، لم يعد بالامكان فصل المسار الداخلي عن المسار الخارجي بامتداداته الاقليمية والدولية لاسباب تجاوزت الواقع اللبناني وحسابات اطرافه المحلية.
هذه الاوضاع بأبعادها الداخلية والاقليمية والدولية لم تعد قائمة اليوم. فساحات القتال منتشرة في المحيط الاقليمي والنزاع العربي- الاسرائيلي ساحته الاساس فلسطين المحتلة، والدول الكبرى في مواجهة مع الارهاب. كذلك، ما من طرف لبناني نافذ يسعى الى الفتنة، بل ثمة ارادة لوضع حد فاصل بين شؤون الداخل وحروب الخارج، ولاسيما في سوريا. ولم يعد لبنان محور ارتكاز لنزاعات المنطقة بعد تحولات "الربيع العربي" في السنوات الاخيرة.
في لبنان توافق جامع حول دور الجيش والاجهزة الامنية لحماية البلاد من ارهاب لا رادع له ولا حدود. والدولة تحاول ان تستعيد دورها ومكانتها وكأنها في طور التأسيس. وما من جهة في لبنان تراهن على الحلول العسكرية، خلافا لزمن الحروب الماضية. قضايا شائكة تشغل بال اللبنانيين، وهي لا تقاس بالقضايا التي شغلتهم عشية اندلاع الحرب في 1975. "الكفاح" اليوم غير مسلح، لتأمين الكهرباء واقرار الموازنة وتصحيح الاجور، أي تأمين سبل الحياة الكريمة وادارة شؤون الدولة بعيدا من الهدر والفساد. ثمة توافق من القوى السياسية المؤثرة على حماية الاستقرار وتحصينه وعلى ادارة الخلاف عبر الفصل بين خلافات لبنان الداخلية والمسائل الاقليمية الخلافية. وهذا الواقع هو نقيض الوضع السياسي الذي ساد في النصف الاول من السبعينات.
في عين الرمانة، كان الصدام مدويا على خط الصدع الاكثر اشتعالا في 1975، حيث التقاطع المتفجر بين السياسي والطائفي والعسكري. وفي عين الحلوة اليوم معارك بين فصائل مسلحة تعكس النزاع الراهن في المنطقة، الا انها نزاعات منفصلة عن "معارك" الحكم في لبنان. وهذا الفصل بين الداخل والخارج لم يكن متاحا في عين الرمانة قبل اربعة عقود ولا في "عيون" عدد لا يستهان به من اللبنانيين وسائر المعنيين، دولا وجيوشا و"طوابير خامسة" مجنّدة للشر العام.
1

رحت أفكر طوال فترة جولتي على الجالية اللبنانية في أوستراليا ونوزيلندا عن سبب مجيء أجدادنا بحراً منذ أكثر من 130 سنة الى هذه القارة البعيدة عنا جواً مسافة 12 الف كلم، وكان تفسيري الوحيد هو "أنهم لبنانيون"، بكل ما يحمله هذا الوصف من مغامرة ونجاح وفرادة وتوقٌ الى الحياة الكريمة...
وفي طريق العودة الى بيروت، وفيما كنت اقرأ في ملفّاتي، وجدت الجواب الشافي في رسالة وجّهها جدّي والدي في 24 ايّار 1916 الى الوزير س. ه. بول في أوكلاند – نيوزيلندا يقول له فيها: "أتينا الى هذا البلد للتم
Read More
تع بحريّتنا ولكي نُعَامل كبشر".
ورحت اسأل نفسي أنّه اذا كان جدّي قد غادر لبنان قبل سنة 1890 وهو في الرابعة عشرة من عمره طمعاً بالحريّة وعاد اليه، واذا كنت أنا أناضل في لبنان مع رفاقي حفاظاً على الحريّة بكل اشكالها، فماذا علينا ان نفعل لأولادنا من أجل إبقائهم في لبنان؟
الحريّة... انها القيمة التي انشأ اللبناني، من أجلها وقتذاك، وطن الـ 10452 كلم2 واختاره للعيش في رحابها، ويمكنه ان يختار في كل وقت بلداً بعيداً، أو جزيرةً أو حتى صخرةً... و سجناً أو نفياً او حتى نعشاً للعيش في ظلالها.
انّ ما قدّمه اجدادنا في سبيل الحرية هو انتشارهم على مساحة المعمورة، فهل كثير علينا ان نقدّم لأولادنا قانوناً يحفظ حريتهم على مساحة لبنان... والعالم؟
نحن نصارع اليوم في قانون الانتخابات من أجل "حريّة بشر" يفترض انهم متساوون، والمشكلة، في ما يخصّنا، ليست النسبية فيه طبعاً، فنحن اوّل من طالب ويطالب بها، بل الخلاف هو حول مفهوم النسبية في قيمة كالحريّة، والاستنساب في ما يخصّ ترجمتها.
واذا كان النقاش يحتمل ان تكون الحريّة مطلقة كاملة أو لا تكون، وان النسبية في الحريّة تجعلها مجتزأة وناقصة، الاّ انه لا يحتمل اطلاقاً ان تكون فيها استنسابية لأنّها تصبح أكثر من ناقصة، بل منتقَصة الدور والوجود والميثاق.
فالقضية اذاً ليست فكرة قانون أو اقتراح حوله، وقد قدّمنا الكثير ولا يزال في الامكان، بل هي حول فكرة لبنان وحريّة البشر المتساوين فيه، واذا كان احد يريد الحدّ منها... أو الاستيلاء عليها.
وهكذا، كلّما اقترحنا قانوناً ذا معايير واضحة وواحدة، واقتربنا من الحريّة المطلقة فيه واعتقدنا اننا اقتربنا من التوافق عليه، تأتي فكرة "الاستيلاء" لتطرد الاقتراح تلو الآخر... استيلاء داخل المذهب أو الطائفة ، داخل القيد أو المنطقة.
مما يطرح السؤال: "هل ان لبنان هو بلد "القبول بالآخر" أم "الاستيلاء على الآخر"؟
وهنا يأتيك من يرمي في وجهك تهمة العنصرية والطائفية والتقسيم، لازمة تلاحقك كلّما حاولت ان تحصّل الحقوق لـ"بشر" بلدك،
ويتناسى هذا اننا ابناء مقولةِ "أكبر من ان يُبلَع وأصغر من ان يقسَّم" ،
وإنّ هذه المقولة تنطبق ليس فقط على الوطن بل على الجماعة فيه وعلى صوتهم.
نعم، "صوتنا، ، الذي هو أكبر من ان يُبلَع، وحجمنا الذي هو أصغر من ان يقسَّم"...
إنّ هذا ما كان دافع قبولنا بما سُمي القانون الارثوذكسي ومطالبتنا به الى اليوم.
ثمّ إنّ طمعنا بالتوافق، ورغبتنا في الانتقال من السيئ الى الأفضل، هما كانا دافع قبولنا بما سُمي القوانين المختلطة واقتراحنا لعدد منها ضمن شرط وضعها بمعايير موحّدة وعادلة، لتكون تمهيداً للانتقال بلبنان من "دولة الطوائف" الى "دولة المواطنة"، والانتقال بذلك الى "مجلس الشيوخ" الضامن للمصير "ومجلس النواب" الضامن للمواطنة.
وهكذا قَبِلنا ان يبلَع لبنان صوتَنا وان تقسَّم دولة المواطنة حجمَنا، الاّ اننا ويا للأسف اكتشفنا ان لا مكان لـ"دولة للمواطنة" في هذا الوطن الاّ للاستيلاء على صوتنا في قانون الانتخاب، وتستمر دولة الطوائف في الاستيلاء على قوانين الأحوال الشخصية والارث والزواج والجنسية...، اي الاستيلاء على أمور الناس باسم الله.
أليس هذا الفراغ بعينه ان نبقى من دون مساواة في "دولة المواطنة"؟
ومن دون حريّة في دولة الطوائف؟
وان تغدو فارغاً من مواطنيتك ومن طائفتك بسبب هذا الاستيلاء المزدوج؟
الفراغ اضحى مرفوضاً في نفوسنا، وغيرَ مرغوبٍ في نظامنا وكارثياً في زماننا.
اليس هذا التمديد بعينه، ان تبقى مكانك منذ الستين لتقع في قانونه،
وهما معاً، التمديد والستين، مرفوضان لأن في كليهما احتجازاً لحريتنا وتغليباً لفكرة الاستيلاء علينا؟
اليس الزمن زمن حريّة وميثاق وعهدٍ عهدنا فيه بأولادنا الى "بيّ الكل"، وتعاهدنا على ان نترك من بعدنا لأولادنا افضل ما تُرِكَ لنا من "ستين وتمديد وفراغ"؟
كيف يمكننا، ونحن في طريق العودة، العودة على طريق الانتشار، والعودة الى الميثاقية، ان نخلّ بأمانة المنتشرين الذين خسروا الارض من أجل الحريّة؟
ان ساعة قانون الحريّة قد دقّت، وسنكون على موعد قيامته في زمن القيامة،
فالصلب سبيل الزامي اليها، سنحمله ونحمل أوجاعه من أجلها.
والصلب فيه شوك التجريح، وخلّ التشويه، ولوحة التقسيم ، ومسمار الاستيلاء، وحربة الشهادة... فليكن!
ليكن الموت، سياسياً كان أم مادياً، من أجل حريّتنا وهي أغلى قيمنا، ومن أجل حريّة اولادنا وهم اغلى ما عندنا،
ليكن الصلب في أسبوع الآلام، آلام المسيح والوطن، ما دامت القيامة آتية... قيامة قانون الحريّة.

Google Ads

ما هو موقع أخبار لبنان؟

أخبار لبنان، هو موقع نقل أخبار من أربعة صحف ومواقع إخبارية رئيسية، في مكان واحد لتسهيل قراءة الأخبار من مصادر متعددة في مكان واحد وتجنيب القاريء تصفّح العديد من المواقع!

Latest Comments