1
'

تدمي القلوب صورة المجزرة الرهيبة في ملهى رينا في اسطنبول، شباب وصبايا سقطوا فوق بعضهم بأجساد ممزقة ودامية. كيف يقدر الضمير البشريّ الصمت على برابرة ووحوش يلتحفون ثوب الدين، طورًا يرتكبون مجزرة في الكنيسة المرقسية في القاهرة، وتارة يقتلون سفير روسيا في تركيا، وليلة رأس السنة يقتحمون ملهى ليليًّا يضم شبابًا وصبايا وأزواجًا ذهبوا لقضاء ليلة رأس السنة للفرح، فحملوا إلى هؤلاء الموت، ليرحلوا شهداء مع أول يوم من السنة.


 


من حقّ أي إنسان أن يثور على الوحشية والبربريّة، ولكن هل من دولة تحيا في الحقّ وتبيت في قلبه تثور؟ هل نسي الناس إرهاب باريس وبروكسيل وألمانيا مؤخّرًا؟ إنّه الإرهاب المعولم، المقتحم لدنيا الكون بلا كون، والمدّعي الدين بلا دين،والممزّق لله وهو بلا إله، هؤلاء ليس لهم قلب ولا عقل، هؤلاء يحيون في الكهوف المظلمة، لهم شعائرهم الخالية من الرحمة، سكروا بالقوّة والعنف، نظامهم لا يعيش إلاّ في قبور مكلّسة، يحملون السكين والسيف والقنابل والمسدسات، ويتلذذون بلحوم البشر، وبدلا من احتساء الخمر لأنه منكر يحتسون الدماء لأنها بعرفهم مباحة، ويقتلون باسم الله، يحزّون الرؤوس ويصرخون "الله أكبر"، كما حصل تمامًا في مشهد اغتيال السفير الروسيّ أندره كارلوف، وعاينه من نجا من المجزرة الرهيبة، فيما الله في القرآن الكريم رحمان رحيم ومنه تمّ اشتقاق مفردة الرحمانيّة.


 


يحتمّ هذا المشهد على كلّ متابع أن يطرح السؤال التالي: كيف لعقل رصين أن يستكين أمام مشهد الموت المتنقل بين بلد وآخر ولا يثور ويصرخ ويتفاعل متأوّهًا مع مشهد دام كهذا؟ واللافت في اندماجنا بهذا المشهد الموجع للغاية، أنّ بعضهم سخروا من شهداء اسطنبول غير مبالين بالمشاعر المتأججة والمضطرمة حتى الاحتراق عند أهاليهم وأصدقائهم في مثل هكذا اوقات، أو عند اللبنانيين المتألمين والمتعاطفين مع أهالي الشهداء وهم شهداء، والأشدّ إيلامًا في هذه اللحظة أن تقرأ كلامًا فيه الكثير من الخفّة والسخافة والصفاقة، حاول صاحبه دكّ إسفين بين المسيحيين والشيعة كقوله بأنّ لا أحد تعاطف مع شهداء الضاحية الجنوبية، وقد دلّت الوقائع بأنّ المسيحيين كانوا الأكثر تعاطفًا، سواء مع شهداء الضاحية وقد اعتبروهم شهداءهم أو مع أحداث المنار، وقد وحدتهم حرب تموز من سنة 2006، ويأتي آخرون هنا وثمّة ليذكروا باستشهاد رجل الأعمال علي بكري، فياتي التذكير مدرجًا بأقمطة طائفيّة ومذهبيّة ردًّا على الاحتضان الإعلاميّ لشهداء تركيّا علمًا بأنّ تلك الجريمة بدورها مستنكرة، وقد باتت إفريقيا مقبرة لكثير من الشهداء وهم متحررون من أي قيد طائفيّ، فيتناسى هؤلاء بأنّ حزب الله وأمينه العام السيد حسن نصرالله هو أوّل من فتح الحرب الاستباقيّة على تلك التنظيمات الإرهابيّة والتكفيريّة في سوريا، وتلك التنظيمات هي التي قتلت من سهروا في هذا الملهى، وهم من جميع الجنسيات ومنهم أحباؤنا اللبنانيون الثلاثة الياس وارديني، ريتا شامي، وهيكل مسلّم.


 


وفي معرض الكلام في هذا الأمر، بكلّ أنواع اصطفافاته، وقفت الدولة وقفة موحدة وأخذت موقفًا مشرّفًا برئاسة فخامة رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون وبمعيّة دولة رئيس الحكومة سعد الحريري، ووزيري الداخليّة نهاد المشنوق والخارجية جبران باسيل. لم يكن الموقف محصورًا بالاستقبال والرعاية من تركيا إلى لبنان فقط، بل بجوهر المشاعر المنسكبة بصدق وشفافية في التوجّه وقد كانت بدورها جوهر الرعاية. إنّ هيكل والياس وريتا شهداء لبنان، وشهداء الحياة، وقد سقطوا على يد قوى عبثية تقتات من الدين وتستعمله وشاحًا لتغطية إجرامها، تجعل من الدين حرفة ولا تتعامل وتتعاطى معه على أنّه رسالة الله إلى أهل الأرض، فيستحيل الدين وحشًا ينشب أظافره لينهش لحوم البشر، أو شرطيًّا يفرض عليهم عنوة نظام الحياة في المأكل والملبس والمشرب، الخطورة أن يتماهى الدين بالإرهاب، وقد بدأت محاولة التنقية، لكنها لم تبلغ بعد كمال الثورة على الحالة العبثية المزروعة في العالم كلّه.


 


أمام مشهد الإرهاب المتعولم والمستخدم لغايات أمنية وسياسيّة من قبل دول كان لها أن توجده أي تخترعه، يبدو أنّ عناصر المشهد بدأت تتجه نحو الاكتمال.


1-العنصر الأوّل: مفهوم الحرب على الإرهاب، وقد دلّت تطورات الوضع على الأرض بأنّ مفهوم الحرب على الإرهاب التكفيريّ، وبحسب القراءة الروسيّة يجب أن يكون جذوريًّا بالمطلق. وتقول بعض المعطيات بأنّ القضاء عليه جذوريًّا في سوريا، من شأنه أن يضعفه في العالم كلّه، هذا عنوان استراتيجيّ لا يمكن الحياد عنه. وتعتقد بعض الأوساط في هذا المجال، بأنّ دعوة الجزائريّ لأتباعه لتكثيف العمليات الانتحاريّة والإرهابيّة في العالم، ليس دليل قوّة، بل هو دليل خوف سيّما وأن القراءة الاستراتيجيّة في سوريا، وما حدث في تركيا تؤكّد دنوّ ساعة الحقيقة وهي تدحرج القوى التكفيرية إلى الخلف وبداية النهاية.


 


2-العنصر الثاني: مفهوم الوعي في الإسلام، وفي هذا السياق يتطلّع كثيرون، إلى تحرّر العقل الإسلاميّ من أزمته الحادة، وتحرّر التراث الإسلاميّ بمعناه أو كليّة المعنى فيه من أزمة التجزيء الذي انتابته، فبمقدار تكثيف الوعي المطلق نكون أمام ثورة المعنى المنطلقة من الأعماق لتعانق الإنسانية بشموليتها وتكون جزءًا منها. هذا عينًا إذا مورس من قبل فقهاء الدين ومعلمي الشريعة في الإسلام يكمّل بفحواه ومحتوياته مفهوم الحرب على الإرهاب، فالمفهوم لديه شقّان:


 


أ-شقّ عسكريّ، وهو أساسيّ في عمليّة إلغاء كاملة لمنظمات لا شأن لها سوى قتل الناس في سوريا وتركيا والعراق وفرنسا وبلجيكا وألمانيا ومصر، وتطبيق شريعتها الخاصّة بها، والتي تحجب الدين بالتجزئة الممارَسة فيه عن طاقة النور بآفاقه المشعّة. القضاء على هؤلاء ليس واجبًا عسكريًّا فقط بل هو واجب أخلاقيّ لكلّ الأديان بكلّ ما تعنيه كلمة أخلاق من معنى.


 


ب-شقّ فقهيّ ولاهوتيّ، فلا يظنّن أحد بأنّ الشقّ العسكريّ ينهي تلك الشراذم، جوهر النهاية يتمحور بتحرير الإسلام من تلك الشرانق المغلقة ليكون كالمسيحيّة جزءًا من الحياة، فلا يتصرّف الدين مع المؤمنين وكأنه شرطيّ على طريقة غبرييال لوروا يقبض على حياة، بل على العكس فإنّ الدين يحيي الناس بالصميم، ويروّضهم على المحبة والسلام وفلسفة قبول كلّ آخر نظير لنا في الإنسانية وليس تكفيره وقتله ومن ثمّ نفيه. تلك هي الأزمة الخطيرة التي يعيشها الدين وهي توسّعت كثيرًا على مستوى الناشئة بفعل سطوة تلك القوى وهيمنتها على الناس واختصار الفكر الدينيّ بطرائقها.


 


3-العنصر الثالث: الواقع التركيّ، فمنذ محاولة الانقلاب على رجب طيب أردوغان وتركيا بتركيبتها الداخليّة نحو تدحرج مقيت. لقد بات سهلاً على الإرهابيين أن يصطادوا البشر بدءًا من السفير أندره كارلوف وصولاً إلى مجزرة رينا في اسطنبول ليلة رأس السنة، وهذا ناتج من حماقة أردوغان وكبريائه ودعمه السابق واللامحدود للإرهاب وإنهاء عمل القوات العسكرية وبخاصّة الجيش وقد كان صمّام أمان بكلّ ما للكلمة من معنى. إنّ ممارسات أردوغان أدخلت تركيا في أتّون متأجج عنوانه حرب مذهبيّة وإتنيّة. لكن ثمّة من يعوّل دورًا على عدد من القوى العلمانيّة في تركيا في إنتاج وإنضاج لحظة ما بعد أردوغان، فهو وبحسب المعطيات سينتهي تلقائيًّا مع زوال داعش في سوريا والعراق وربما قبل، وتقول أوساط في الداخل التركي بأنّه وعلى الرغم من مخاوف كثيرين بأفول تركيا ودخولها مرحلة الحرب الداخليّة، إلاّ أن روسيا سيكون لها دور في وقف هذا التدحرج كما في سوريا لمصلحة لحظة ما بعد أردوغان. فليس التاريخ من سيلفظه بل الناس وبعد رؤيتهم لتلك المجازر هي من سيلفظونه. داعش لم يعد ولن يعود لها مكان في تركيا.


 


4-العنصر الرايع: الواقع الأميركيّ وهو عنصر بات مساعدًا بسبب التبدّلات في جوهر الإدارة الأميركية ونظرتها تجاه سوريا ومفهوم الحرب على الإرهاب. لقد أظهر الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب حرصًا شديدً،ا ما كان قائمًا في السياسة الأميركية قبلاً، في الحرب على الإرهاب وإعادة التوازن المفقود إلى المنطقة، والتسليم بالدور الروسيّ في رعاية الحوار السياسيّ ضمن الدائرة السوريّة بالتوازن مع الحرب على داعش وشقيقاتها.


 


مجزرة ملهى رينا في اسطنبول تضاف إلى مجموعة مجازر ارتكبها تنظيم داعش، لكن مجزرة اسطنبول هي الأشد قساوة بمعاني الاستهداف لمجموعة شباب وصبايا يمضون ليلة رأس السنة، ودّعوا سنة واستقبلوا أخرى، وتوًّا اقتحم هذا الوحش البشريّ المكان وببرودة أعصاب راح يقتل بلا هوادة ولا رحمة. في لبنان خسرنا الياس وارديني وريتا شامي وهيكل مسلّم، والخسارة موجعة، وثمّة مصابون سيحتاجون وقتًا طويلاً ليتماثلوا للشفاء، في مسيرة آلام مبرحة، هل سيؤثّر المشهد على العالم، عدد كثير من المراجع يعتقدون بأنّ الحسم آت، المعركة طويلة بعض الشيء، ليس على مستوى المنطقة، بل على مستوى العالم. دماء من سقط نتيجة تلك المجازر الرهيبة ستكون الرحم الأساس لانبلاج هذا الوعي وسطوعه على كلّ المستويات بدءًا من النواحي السياسيّة والعسكريّة والدينيّة وصولاً إلى النواحي الأخلاقيّة والروحيّة والقيميّة. وفي ظن كثيرين لن يستوي العنف والسلام في عالم جديد، أو نظام عالميّ جديد.


 


رحم الله الياس وهيكل وريتا. المسيحيون المؤمنون ليس لهم سوى أن يقولوا وهم شاهدون لقيامة المسيح، المسيح قام حقًّا قام. وإذا ساغ كلام شخصيّ، فأنا لم أعرف ريتا ولا هيكل على المستوى الشخصيّ، عرفت الياس وارديني في كنيسة دخول السيدة الأشرفيّة حيث صلي عليه، وعرفته في اللقاء الأرثوذكسيّ حيث عاون المسؤولين في المعلوماتيّة. وفي سياق المعرفة فإنّ الياس وارديني امتاز ببهاء الحضور وطيبة آسرة تجبرك على أن تحبّه، الياس في رحلته مع رفقائه إلى وجه المسيح يصرخ مع شفيعه الياس النبيّ حيّ هو الله الذي أنا واقف أمامه. الياس خليل وارديني عاش مؤمنًا ومات مؤمنًا، وأعرف أيضًا من خلال أصدقاء مشتركين، بأن هيكل وريتا عاشا في قلب الإيمان المحيي. دماؤكم صورة عن دماء المسيح، كل من سقط بريئًا وغدرًا هو حبيب الله وكليمه وأنتم أحباؤه وكلماته.


 


فانطلقوا إلى حريتكم واحملوا سعف النصر إلى العرش لتصرخوا المجد لك أيها القائم من بين الأموات والمستوي على عرش الملكوت، المجد لقيامتك يا رب ونحن على الأرض ليس لنا سوى أن نبقى أمناء على محبتكم ونصرخ مع أهاليكم المفجوعين على غيابكم، وهذا هو مبعث الرجاء، أيها القائم من بين الأموات إجعلهم مغمورين بضياء القيامة، كفكف الدموع ولا تجعلنا فاقدي الرجاء، فبعد قيامتك ليس من موت يسبينا، فأنت وطئته بموتك ووهبت الحياة للذين في القبور. المسيح قام حقًّا قام.  




Comments

    Submit a Comment
     Name : 






Google Ads

ما هو موقع أخبار لبنان؟

أخبار لبنان، هو موقع نقل أخبار من أربعة صحف ومواقع إخبارية رئيسية، في مكان واحد لتسهيل قراءة الأخبار من مصادر متعددة في مكان واحد وتجنيب القاريء تصفّح العديد من المواقع!

Latest Comments