1
غسان سعود
www.elections18.com

كان في بيتنا القديم في القرية خزنة حديدية ضخمة، اعتقد جد والدي حين بنى البيت أن أولاده وأحفاده من بعدهم سيكدسون سبائك الذهب فيها، لكن الخزنة تحولت مع الوقت إلى أكثر الأمكنة المناسبة لتخمير الشنكليش. لكن فوق هذه الخزنة كان ثمة ملحق أعدته صحيفة الديار في مطلع التسعينات لم أكن أفوت مناسبة إلا وأتسلق أحد الكراسي لأتناوله وأفتحه وأغرق فيه. الملحق كان عن شخصية عظيمة اسمها ميشال عون. الملحق الذي يتحدث عن جوانب شخصية في حياة رئيس الحكومة الانتقالية كان أشبه بكتاب ألف ليلة وليلة إذ يوجد فيه ألف قصة وقصة. ومن تلك القصص كونت انطباعي الأول والثاني والثالث عن ميشال عون. عا
Read More
م 1990 كان عمري سبع سنوات. وحين كنت أقرأ تلك المقالات وأكون انطباعاتي كان عمري 14 عام. لاحقاً عاد العماد عون وتبين أن الكثير الكثير مما كنت أتخيله غير صحيح، وهو في الواقع غير هو في الأحلام. ومع الوقت، تحديداً منذ عام 2008 كنت قد أصبحت واثقاً أني لست عونياً. وحين كان كثيرين يحتفلون بانتخابه رئيساً كنت أتنقل بين الاحتفالات باحثاً عبثاً عن بهجة ما. وطوال العام الرئاسي الأول كنت ألاحظ طبعاً أن من بات يعيش في قصر بعبدا لا يشبه من قريب أو بعيد من مروا بهذا القصر. وكاد أن لا يمر أسبوعاً دون أن يقدم القصر على نشاط صغير رمزيّ ما يدفعني إلى القول بيني وبين نفسي إنه هو ذلك الشخص الذي كنت أعتقد أنه هو. كان أصدقائي يستهزئون من وضع الرئيس قفير نحل في حدائق القصر في ظل أزمة النفايات لكني كنت أقول لنفسي إنني حلمت دائماً برئيس يقول للشباب اللبناني إن بوسعهم بواسطة بضعة نحلات تأمين مدخول إضافي جانبي لذيذ. كنت أقرأ كلماته مكرماً المطران جورج خضر فأقول لنفسي هذا هو. وكنت أخيراً أراه يطلق يد الجيش للقيام بما يلزم من أجل إنهاء كابوس التكفيريين الذين يرسلون السيارة المفخخة تلو الآخرى، ثم أراه يحمل هم البلد على كتفيه ويسير بجرأته الاستثنائية صوب الحل، مذكراً السعودية وغيرها أننا بلد حر سيد مستقل. ومع ذلك كنت أعود دائماً لأضبط حماستي وأتابع حياتي دون فائض مبالاة. لكن ها هي الانتخابات تقترب وميشال عون في السلطة. ميشال عون الذي لم يكن على مستوى تطلعاتي مئة بالمئة، في السلطة، وهو أمام مفترق طرق؛ إما يتابع عهده مزهواً كعادته بشعبيته أو ينكسر معنوياً في بداية عهده. للوهلة الأولى، الجواب صعب لمن يحبون ميشال عون لكنه خيب بعض آمالهم. لكن فليتوضح السؤال أكثر:
قبل ميشال عون، كان ثمة طبقة من الفاسدين والانتهازيين و"الزحفطانيين" عند المحتلين الذين بنوا مزارع بدل الدولة وفعلوا كل ما يلزم طوال سنوات وسنوات ليحولوا دون قيامة الدولة. والآن أنا مخير بين إعطاء زمن ميشال عون فرصة أو إعادة عقارب الساعة إلى زمن هؤلاء. لا أحد مخير اليوم بين ميشال عون وطبقة سياسية جديدة، إنما الخيار هو بين ميشال عون والطبقة السياسية القديمة. أنتخب ميشال عون الذي ثمة شكوك بشأن خطته لإصلاح قطاع الكهرباء أو أنتخب من سرقوا أم وأب وأولاد وأحفاد الكهرباء ولعنوا ساعتها وارتكبوا الفظائع فيها ومآثرهم موثقة مسجلة ندفع يومياً ثمنها. أنتخب ميشال عون أو أنتخب أمين الجميل؛ "بشرفكم شو؟". أنتخب ميشال عون الذي لم ولن يعجبني يوماً اصطفائه صهريه من كل بني البشر أم أنتخب حفيد فلان الذي يريدني أن أساهم بتوريثه كرسيه لابنه وحفيده من بعده. مشروع ميشال عون بكل ثغره أو مشروع إبن فرنجية وابن الخازن وبطرس حرب وميشال المر وميشال فرعون وأبن جنبلاط ونبيه بري ونقولا فتوش وغيرهم وغيرهم. أنا لا يعجبني ميشال عون قليلاً لكن لا يعجبني نبيه بري أبداً. أنا لا يعجبني ميشال عون قليلاً لكن لا يعجبني سليمان فرنجية أبداً. أنا لا يعجبني ميشال عون قليلاً لكن لا يعجبني وليد جنبلاط أبداً. ولا شك أن هناك تقصير لكن أي تقصير يقارن بتقصير سامي أمين بيار الجميل مثلاً أو تيمور وليد كمال (...) جنبلاط أو طوني سليمان طوني سليمان (...) فرنجية أو فريد هيكل (...) (...) (...) الخازن أو هنري الحلو وبطرس حرب ونعمة طعمة وإبراهيم عازار وميشال فرعون وكل هؤلاء.
بالغنا في الأحلام، نعم. وهو ليس كما كنا نعتقد مئة بالمئة، نعم. ولدينا ألف مأخذ ومأخذ، نعم. والضغط المعيشي لا يطاق، ألف نعم ونعم. وتأخرت بعض المشاريع الحيوية، أيضاً نعم. وكان يفترض زج المئات في السجون بمجرد دخوله قصر بعبدا، نعم نعم نعم. لكن هذا كله لا يفترض أن يدفع إلى ترجيح كفة أياً ممن سبق تعدادهم على كفة ميشال عون. الآمال مع ميشال عون لم تعد كبيرة لكن ثمة آمال، أما مع أولئك فلا أمل البتة. مع ميشال عون ثمة أمل صغير بأن نعبر إلى الدولة أما مع أولئك فلا شيء غير المزرعة. ننتخب هذا الأمل الصغير طبعاً خير من أن ننتخب ذلك الإحباط. ولا يقول لكم أحد إن على العهد البقاء على الحياد فهم لا يخوضون الانتخابات ضد جيمي جبور في عكار وجورج عطالله في الكورة وبيار رفول في زغرتا وجبران باسيل في البترون وسيمون أبي رميا في جبيل وشامل روكز في كسروان وإبراهيم كنعان في المتن وآلان عون في بعبدا وزياد أسود في جزين وسليم عون في زحلة إنما ضد العهد؛ هم لا يريدون إسقاط هؤلاء إنما يريدون إسقاط العهد.
لو كان هناك خيار جديّ ثالث لتطلب الأمر التفكير مرتين، وربما أكثر. لكن لا خيار: مع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أو ضده. هذا هو عنوان الانتخابات بحسب حركة أمل وسليمان فرنجية. مع الأمل الصغير المتبقي بالتغيير والإصلاح أو ضده. مع إعطاء عهد ميشال فرصة حقيقية أو لا. الضد هنا والـ"لا" لا يملكان مشروعاً بديلاً غير العودة إلى المشروع السابق. واحد يقول للناخب هذا جدول زمني لتوليد الكهرباء والآخر يقول "سنعفيك من اشتراك المولد هذا الشهر". واحد يقول رفعنا جميع ميزانيات الوزارات في مناطق جبل لبنان عشرات الأضعاف، والآخر يقول "الزفت إنماء". واحد يقول باشرنا بناء عشرة سدود ضخمة، والآخر يقول سنسمح لك بالتلاعب بعداد المياه. واحد يقول سنصبح دولة نفطية والآخر يقول سأتوسط عند المحافظ لإعطائك رخصة إنشاء محطة وقود.

2018 - نيسان - 13

Google Ads

What is Plikli?

Plikli is an open source content management system that lets you easily create your own user-powered website.

Latest Comments